
ثورة التوابين
هناك صفة نقص تنطبق على كثير من الناس من الذين أهملوا المعرفة حول ما يتعلق بدينهم ومقدساتهم وتاريخهم، فهم يحبون النبي وآله ويوالونهم في الحياة، ولكنهم لا يهتمون بتفاصيلهم وتواريخهم التي تشتمل على علوم ومواقف تزيدنا حباً لهم وفهماً لحقيقتهم.
لقد حدثت ثورة كربلاء في العاشر من المحرم واستشهد فيها الحسين ومن كان معه وقد استنكرنا هذه الجريمة وأدنّا مفتعليها وتبرأنا منهم ولم نعرف عن الثورة سوى القشور التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وهذا أمر لا يليق بنا كمؤمنين بالحسين ولا ينسجم مع الخط الحسيني الذي يدعو إلى العلم والمعرفة، ونحن إذا أردنا أن نفهم الحسين وجب علينا أن نفهمه من جميع النواحي والجهات إذ أن نهج الحسين لم يبدأ عن ولادته ولم ينته عند استشهاده بل استمر ووصل إلينا وما زال باقياً وسوف يستمر إلى يوم البعث لأنه خط الرسالة السمحاء.
وما حدث بعد ثورة كربلاء من الثورات والمواقف الكثيرة لم يكن بعيداً عنها وإنما كان جزءاً متمماً لها بدءاً من سبي بنات رسول الله ووصولاً إلى أيامنا هذه لأن كل ما حدث بعدها إنما حدث بسبب المجال الواسع الذي فتحه الحسين أمام الأحرار، ولهذا فإننا نعتبر بأن الثورة الحسينية كانت البداية لما حدث بعدها.
ومن جملة الأحداث التي تولدت عن ثورة الإمام الحسينu ثورة التوابين فلقد تنفس الشيعة بهلاك يزيد بن معاوية في تلك الظروف الغامضة التي هلك فيها وكذلك تنفسوا بمواقف إبنه معاوية من الخلافة التي اعترف بأنها ليست من حق آل أبي سفيان والذي اعتبر بأن جده معاوية نازع علياً الذي هو أحق بالخلافة منه فلقد بكى معاوية بن يزيد على أبيه وجده معترفاً بأن مصيرهما سيء بسبب الجرائم التي ارتكباها في حياتهما.
فبعد مجزرة كربلاء والإضطرابات التي حدثت بسببها إلتجأ أهل العراق إلى عبد الله ابن الزبير لكونه أقوى المعارضين للحكم الأموي، والتجأ عبيد الله بن زياد إلى البصرة التي كان أكثرها من مؤيدي الحكم الأموي الجائر فلقد أخافه موت يزيد وولده لأن الجهة التي كانت تغطي عليه جرائمه ضد الأبرياء قد زالت من الوجود فأتى البصرة وكان فيها أميراً ولكن هذه الإمارة لم تدم طويلاً حيث تجرأ الناس عليه فلم يعد أحد يهابه أو يخاف من سطوته بل أصبح رأيه غير نافذ حيث كان أي واحد من الناس يرد عليه آراءه بعد أن كانت أوامره قبل ذلك نافذة من دون معارض، وقد بلغ ضعفه ووهنه أنه إذا صعد المنبر للكلام كان الناس يرضخونه بالحجارة من دون أن يمنعهم أحد حيث تحولت البلاد إلى غابات يحكمها الإضطراب وتسيطر عليها الفوضى بسبب غياب الحاكم المؤهل لتولي السلطة.
فلقد شعر الناس بحجم الخطر الذي بات يتهدد أمنهم واقتصادهم بوجود عبيد الله ابن زياد ورأوا بأن بقاءه يشحن في عزيمة الخوارج الذين كانوا يتحيلون الفرص للإنقضاض على أهل الحق وبالأخص الموالين لعلي وأبنائه(ع) فذهب الشيعة إلى الأحنف بن قيس لينهض بهم فأبى عليهم فقالوا أنت سيدنا فقال لست بسيدكم: وكان ابن زياد قد عيّن عمر بن سعد أميراً على الكوفة فخرجت نساء الكوفة باكيات نائحات يندبن الحسين ومن قُتل معه في كربلاء فألهب بكاؤهن شهور أهل الكوفة فذهبوا إلى قصر عمر بن سعد وطردوه منه وقالوا له:لا حاجة لنا في بني أمية ولا في إمارة ابن مرجانة واختاروا عامر بن مسعود أميراً عليهم فأخبروا ابن الزبير بذلك فوافقهم وعينه أميراً عليهم إلى أن عزله وعيّن مكانه عبد الله بن يزيد.
وكان عبد الله بن الزبير ومن معه يلتمسون أية حركة ضد الحكم الأموي حيث كانوا يرون في ذلك دعماً لحركتهم وأهدافهم وقد وجد الزبيريون أمنيتهم في ثورة التوابين فلقد أحس الشيعة بالخطأ الفادح الذي ارتكبوه في حق إمامهم الحسين بن علي’ووجدوا بأن هذا الخذلان لا يغسله إلا قتل كل من قاتل الحسين فلقد راحوا يُكثرون من البكاء على الإمام وقد أطلقوا على أنفسهم إسم التوابين حيث أعلنوا توبتهم من عدم نصرتهم لإمامهم وقد سيطر عليهم الندم لحظة دخول السبايا إلى الكوفة نادبات يتقدمهن رأس الإمام على رأس الرمح والإمام السجاد مكبّل بالحديد وقد صمموا منذ تلك اللحظة على القيام بثورة ضد الحكم الأموي صاحب تلك الجريمة النكراء، وعندما لمس ابن زياد هذا الأمر وقف على المنبر وراح يتحداهم ويخوفهم من إصرارهم على موقفهم كما راح يصف الحسين بأوصاف لا تليق بشأنه الرفيع، فلقد ذكر هذه الأوصاف في وقت كانت النفوس فيه مشحونة بالغضب ضد بني أمية فوق من بين الناس رجل إسمه عبد الله بن عفيف الأسدي وقال لابن زياد: الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك ومن استعملك وأبوه يا عدو الله تقتلون النبيين وأبناء النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين فأمر ابن مرجانة باعتقاله وقتله، ولقد زادت هذه الحادثة في الطين بلّة ووسعت رقعة النقمة على ابن زياد فاجتمع زعماء الشيعة وارتأوا أن يهدّؤوا الوضع حتى يتهيأ عندهم الظرف المناسب للتخلص من ابن زياد، وقد تزعّم حركة التوابين خمسة من كبار الموالين لعلي بن أبي طالب(ع) وهم سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجية الفزاري وعبد الله بن سعد الأزدي وعبد الله بن وال التميمي ورفاعة بن شداد البجلي، وكلهم عاصروا أمير المؤمنين علياً وقاتلوا معه في صفين والجمل والنهروان وكانوا يجتمعون بين الحين والآخر في غاية من التكتم والحذر على قاعدة إستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، وكانوا في اجتماعاتهم يذكرون مصيبة الحسين ويبكون عليه ويعلنون ندمهم على الخذلان الذي صدر منهم في حقه يوم المعركة ويعاهدون الله تعالى على الأخذ بثأره من كل من كان له علاقة بارتكاب تلك الجريمة حتى ولو أبيدوا على آخرهم حيث أدركوا كما علّمهم الحسين أن الحياة في ظل الحكم الجائر هي موت أحمر وأن الحياة الحقيقية هي الحياة العزيزة وإن لم تكن إلا بالموت، فكلما اجتمعوا كان يقول أحدهم: فويل للقاتل وملامة للخاذل إن الله لم يجعل لقاتله حجة ولا لخاذله معذرة إلا أن يناصح الله في التوبة فيجاهد القاتلين وينابذ القاسطين فعسى الله عند ذلك أن يقبل التوبة ويقيل العثرة إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء أهل بيته.
وقد كان هؤلاء الزعماء يجتمعون مع من يأوي إليهم ويطمئنون إلى وفائه وإخلاصه في منزل سليمان الخزاعي ويؤنبون أنفسهم وضمائرهم على الخذلان الذي صدر منهم في حق الحسين.
تحرك التوابين للأخذ بالثأر
إجتمع زعماء حركة التوابين في منزل سليمان بن صرد الخزاعي وعاهدوا الله تعالى على الأخذ بالثأر من قتلة الإمام الحسين وأصحابه في كربلاء ورأوا بأن السكوت عن الحكم الظالم جريمة في حق الإسلام وأن الساكت عن الحق شيطان أخرس فقرروا القيام بثورة ينتقمون بها من كل ظالم شارك في هدر دم الإمام الحسين، فلقد بدأت حركتهم بعد استشهاد الحسين بأشهر قليلة ولكنهم لم يعلنوا عن تلك الحركة لعدم توفر الأجواء المناسبة وبقيت في طي الكتمان إلى شهر ربيع الأول سنة أربعة وستين للهجرة أي عندما بلغهم خبر وفاة يزيد بن معاوية وكانوا في تلك الفترة يجمعون الأموال ويشترون السلاح الذي يحاربون به بني أمية فلقد بدأ التأسيس سنة إحدى وستين للهجرة وكانوا يدعون الناس سراً إلى الأخذ بثأر الإمام الحسين وقد أجابهم كثير من الناس إلى دعوتهم واستعدوا لقتال يزيد عندما تتاح لهم الفرصة وتتهيأ الأجواء والمناسبة والمقدمات اللازمة للحرب، فعندما هلك يزيد بن معاوية كتب سليمان الخزاعي إلى الشيعة في المدائن التي انتقلوا إليها من الكوفة وإلى شيعة البصرة يستنهضهم للأخذ بثأر الحسين والقيام بثورة ضد بني أمية فأظهروا استعدادهم لذلك حيث ضاق بهم الخناق بسبب الطوق الأمني والنفسي الذي فرضه الأمويون على كثير من الناس وبالخصوص على الموالين لعلي وأبنائه(ع) وقد اعتبر أصحاب حركة التوابين بأن وفاة يزيد وانقسام الأمويين على بعضهم البعض هي الفرصة المناسبة لتفجير الثورة والإنتقام من الظالمين وعندها بدأت حركتهم تظهر بين الناس وراع زعماء الثورة يجتمعون بالناس ويدعونهم إلى الوقوف ضد الحكم الأموي الغاشم فراح يأتي الناس مجموعات مجموعات حتى اجتمع ستة عشر ألف شخص كلهم أعلنوا استعدادهم لقتال النهج الحاقد المتمثل بالدولة الأموية آنذاك، وقد حركتهم روح كربلاء فاستماتوا في سبيل الدفاع عن نهج الحق، وقد كان من المفروض على عبد الله بن الزبير أن يرتاح لهذه الحركة التي أصرت على قتال أعدائه الأمويين، فلقد كان بإمكانه أن يضم أفراد هذه الحركة إلى جيشه ولكن جماعة من أنصار ابن الزبير أشاروا على عامله على الكوفة عبد الله بن يزيد الأنصاري أن يهاجم التوابين ويمنعهم من الخروج لقتال الأمويين حيث كان يرى هؤلاء بأن استيلاء الشيعة على الحكم يشكل خطراً على مخطط ابن الزبير الذي كان يعمل ضد الشيعة وضد الأمويين في آن واحد، ولكن بن يزيد الأنصاري لم يتهور في اتخاذ القرار في شأن التوابين بل قال لتلك الجماعة التي أشارت عليه بمنع التوابين من القيام بثورة:الله بيننا وبينهم إن هم قاتلونا قاتلناهم وإن تركونا لم نطلبهم وليس لدينا ما يمنع من خروجهم على من قاتل الحسين لعن الله قاتليه وظالميه، ثم تابع الأنصاري كلامه قائلاً:هذا ابن زياد قاتل الحسين وقاتل خياركم وأماثلكم قد توجه إليكم من الشام وأصبح على مسيرة يوم فقتاله والإستعداد له أولى وأرشد من أن تجعلوا بأسكم بينكم ليقتل بعضكم بعضاً فيلقاكم عدوكم غداً وقد أنهككم القتال وتلك والله أمنيته:
لقد كان عامل ابن الزبير على الكوفة يرى بأن نجاح الشيعة في الثورة أهون من بقاء الحكم الأموي حيث يمكن التفاهم مع الموالين، وقد نجح فيما طرحه على جماعته ورأوا السداد في رأيه وقد كان يعلم بأن ابن زياد لم يأت إلى الكوفة من أجل قتال الشيعة أو التوابين وإنما أتى من أجل القضاء على ابن الزبير وأنصاره، وبهذه الطريقة يصل ابن الزبير إلى هدفه من دون أن يقاتل ابن زياد تاركاً أمر قتاله إلى التوابين وهو بعد المعركة يقطف الثمار من دون أدنى تعب، وقد عزم قادة ثورة التوابين على الخروج لقتال الأمويين الذين كان عددهم كبيراً جداً فأرسلوا إلى الشيعة فلم يستجب لهم سوى أربعة آلاف رجل فخرجوا إلى النخيلة وأقاموا بها ثلاثة أيام ثم تابعوا إرسال الرسل إلى الذين لم يتحركوا معهم فالتحق بهم ألف رجل، فأصبح عددهم خمسة آلاف مقاتل، أما سليمان بن صرد الخزاعي أحد زعماء ثورة التوابين فلقد استشار الناس في موضوع الخروج لقتال بن زياد فأشير عليه بأن يذهب إلى الكوفة ويقاتل عمر بن سعد ومن أعانه على قتل الحسين بدل أن يجازف ويواجه جيش الشام فرفض سليمان ذلك وسار بمن معه إلى كربلاء ومكثوا هناك يوماً وليلة عند قبر الإمام الحسين وهم يندبونه ويبكونه ويقولون: ربنا لقد خذلنا بنَ بنت نبينا فاغفر لنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وارحم حسيناً وأصحابه الشهداء الصديقين فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ومن كربلاء اتجه التوابون عبر الفرات حتى وصلوا إلى مدينة قَرقِيسيا وكان فيها أحد أعوان ابن الزبير فساعدهم وأخبرهم ببعض تفاصيل الجيش الأموي الذي بلغ عدده آنذاك ثلاثين ألفاً ونصحهم بأن يسبقوه إلى عين الوردة وينزلوا غربيّها ويجعلوها من ورائهم لتحمي ظهورهم، وبعد خمسة أيام من نزولهم في عين الوردة إلتقى الجيشان فطلب منهم عبيد الله ابن زياد أن يستسلموا ويبايعوا عبد الملك بن مروان بن الحكم فرفض قادة التوابين هذا الطلب وطلبوا من جيش الشام أن ينضموا إليهم ويسلموا الخلافة إلى آل الرسول فرفض أهل الشام هذا الرأي وقابلوه بالسخرية والإستهزاء وأصر الطرفان على القتال، وبدأت المعركة بين الفريقين مع عدم وجود تكافؤ عسكري لأن الجيش الأموي كان أكثر وأقوى ولكن التوابين صمدوا في وجه هذا الجيش الكبير وقاتلوا مستأسدين وكادوا ينتصرون على الجيش الأموي ويهزموه لولا غزارة النبال التي كانت تنزل عليهم من كل جانب حيث أصيب قائدهم سليمان الخزاعي بنبل فقتله على الفور فأخذ الراية من بعده المسيب بن نجية وكان من أبطال الكوفة فحمل بمن بقي معه على أهل الشام فقاتلهم قتالاً عنيفاً قتال المستميت الذي لا طمع له بالحياة ثم أحاط بهم الجيش الأموي من كل جانب وهم ينادون الجنة الجنة إلى البقية من أصحاب أبي تراب الجنة الجنة إلى الترابية، ثم انضم إلى التوابين خمسمئة فارس أتوا من البصرة والمدائن فقيل لعبد الله بن سعيد وهو يصول ويجول لقد جاءك المدد ولحق بنا إخواننا من البصرة والمدائن: فقال يا حبذا لو كان مجيئهم ونحن من الأحياء، فاشتركوا في المعركة وقلوبهم عامرة بالتقوى وعندما قُتل عبد الله بن سعيد وصُرع أكثرهم انسحب رفاعة بن شداد من المعركة وبقي حويرث العبدي بمن بقي معه فطلب منهم أهل الشام أن ينسحبوا من المعركة وانتهت المعركة لصالح أهل الشام ورجع من بقي من التوابين إلى ديارهم وهم قلة قليلة رجعوا يبكون لأنهم لم يحققوا الهدف من ثورتهم.
المختار بن أبي عبيدة الثقفي
لقد كانت ثورة كربلاء وما تزال نوراً لأهل الأرض ومصدراً لعزتهم وكرامتهم لأنه نشرت الوعي والجرأة بين الجميع وفتحت لهم مجالات واسعة من أجل التصحيح ودفع الظلم ونصر المظلوم والدفاع عن المعتقدات والذود عن الكرامات وقد كانت كربلاء وما تزال مدرسة للأجيال، فلقد تعلّم منها التوابون كيف يرفضون الذل ويواجهون الظلم فقاموا بمعركة ضخمة استشهد فيها ما يقرب من خمسة آلاف رجل وقد كانت تلك الثورة من نتاج الثورة الحسينية.
ولم يقف الأمر عند حدود ثورة التوابين بل تشجع غيرهم على القيام بما قاموا به فظهر المختار بن عبيدة الثقفي الذي سلك نهج الحق وواجه الظالمين وعاقبهم.
فلقد تركت ثورة كربلاء وما رافقها من الجرائم التي ارتكبها الأمويون أثراً كبيراً في نفوس الأحرار وعبّأت الجميع للثورة ودفعت بهم في طريق النضال والجهاد ومتابعة المسيرة النزيهة بعد أن عمل معاوية على نزع هذه الروح من قلوب المسلمين في عهده فجاءت ثورة كربلاء وخربت مخططات الأمويين وأفشلت لهم جميع مؤامراتهم التي حاكوها ضد الحق وأهله.
لقد رفض الثائرون في كربلاء جميع العروض والمغريات لأن الهدف عندهم كان تحرير الأمة من جور الظالمين، وهذا هو الهدف أيضاً من جميع الثورات التي تولدت عن ثورة كربلاء حيث كان هدف أصحابها إنقاذ الأمة من أيدي الأمويين الذي كانوا مصدر الفتنة والشرخ وكل مصيبة نزلت في ساحة الإسلام.
ولقد حاول كثير من الناس أن يثوروا في وجه الظلم فمنهم من وُفِّق لذلك ومنهم من لم يوفق، فلقد حدثت انتفاضة المدينة وتلاها ثورة التوابين بقيادة سليمان الخزاعي، هذا وقد كان المختار بن عبيدة الثقفي في جميع تلك المراحل يخطط بهدوء ويعمل ويؤسس للثورة بحكمة وروية ويدرس الأمر من جميع زواياه الإيجابية والسلبية، ومن المستحسن عندنا أن نتحدث قليلاً عن شخصية هذا الرجل ليساعدنا ذلك على فهم الدور الذي قام به وقيمة الثورة التي فجرها…
المختار الثقفي هو إبن أبي عبيدة بن مسعود الذي اعتنق الإسلام وأخلص له وقد اشترك في معارك المسلمين مع الفرس وقد اختاره ابن الخطاب للقيادة فأبدى شجاعة قلّ نظيرها وقد مات أبو عبيدة على شاطئ الفرات شهيداً في سبيل الإسلام عندما هجم عليه فيل أبيض من الفيلة التي كان يستخدمها الفرس في حروبهم وداسه حتى قتله، وقد كان له أولاد من خيرة البشر جميعهم قُتلوا في سبيل الله عز وجل، فلقد وُلد المختار الثقفي في مدينة الطائف في السنة الأولى للهجرة حيث استشهد في السابعة والستين من عمره سنة سبعة وستين للهجرة، ويذكر المؤرخون بأن والد المختار أتى به إلى أمير المؤمنين(ع) فمسح الإمام على رأس المختار وقال له: يا كيّس يا كيس: وقد استنتج الباحثون من هذه الكلمة أن أمير المؤمنين(ع) كان يعبّر بهذه الكلمة عن مخبّآت المستقبل وبما سوف يظهر من البطولات في سبيل الإسلام وحنكة سياسية وتصرفات رشيدة كالأخذ بثأر أهل البيت(ع) ولقد عاصر المختار المغيرة بن شعبة الثقفي وقد كانا من أبرز أهل قبيلتهما في الذكاء والدهاء ولكن المغيرة استعمل دهاءه وذكاءه في المكر والخداع والنفاق كما وصفه كثير من المؤرخين، فقد جاء في تاريخ الخلفاء للسيوطي: لو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يمكن الخروج من باب منها إلا بمكر واحتيال لخرج المغيرة من أبوابها كلها، وقد استعمل ذكاءه في خدمة سلاطين الجور فأعانهم على ظلمهم وجورهم ضد الأبرياء، وقد عاصر المغيرة معاوية في فترة حكمه وقد جاراه على كل مواقفع ضد أمير المؤمنين علي، وأما المختار فلقد استعمل ذكاءه لخدمة الناس وفي سبيل الدين والأمة، وقد اختار الكفاح والثورة لبلوغ أهدافه بدلاً من النفاق والمراوغة، وقد اعتمد على ذكائه وسيفه وجهوده فكان طريقه طويلاً ومحفوفاً بالمشاق والمخاطر وبقي مجاهداً وحاملاً هم الأمة حتى آخر لحظة من عمره المبارك.
لقد كان المختار معارضاً للحكم الأموي وسياسته الخاطئة وكان موالياً للنبي وآله(ص) وقد وقف إلى جانب مسلم بن عقيل في الكوفة ودعا الناس إلى الإلتحاق بالحسين ونصرته، وبسبب ذلك اعتقله الأمويون وسجنوه وعذبوه أشد تعذيب وقد حارب الأمويين مع ابن الزبير عندما فرّ من الكوفة وذهب إلى مكة، وقد دافع عن مكة عندما هجم عليها الجيش اليزيدي بكل ما أوتي من قوة، وقد حارب جيش بن زياد الذي أراد أن يُرجع العراق إلى الحكم الأموي، كما وحارب الزبيريين عندما اكتشف نواياهم وقد قُتل على أيدي أعوان عبد الله بن الزبير.
لقد كان المختار يعمل بكل نشاط وجد في سبيل الحفاظ على الأمة من أيدي الأطماع والطامعين وقد كان سياسياً ناجحاً ورجلاً موهوباً وبطلاً من أبطال التاريخ وحارب قتلة الحسين وقتلهم وأخذ منهم الثأر، وقد اختار العراق لمخططاته السياسية حيث كان أكثر أهل العراق من الموالين لأهل البيت، ولأن المختار كان مواياً صادقاً فقد حاول كثير من الناس أن يشوهوا بصورته ويبتدعوا فيه العديد من الأكاذيب والأساطير، كما هو حال أهل البيت(ع) الذين وضع الوضاعون عنهم الآلاف من الأحاديث التي لم تصدر عنهم ونسبوها إليهم بداعي تشويه الصورة وتعتيم الموقف وقد كان الوضاعون أحد أهم الدعائم للحكام الظالمين، فلقد حارب المختار دولة الأمويين منذ نشوئها بقيادة معاوية وظل يحاربها حتى قضى على ابن زياد في معاركه معه في الموصل وعلى أعوانه ممن اشتركوا في معركة كربلاء فطهر الأرض منهم وخلّص الناس من جورهم وظلمهم الذي لم يكن له مثيل، وقد حارب عبدَ الله بن الزبير وقضى على نفوذه في الكوفة وغيرها من مدن المسلمين ولذا فقد انتقم منه أعوان الزبير أشد انتقام وقتلوه، وقتلوا معه ما يقرب من سبعة آلاف مسلم، وقد عاتبهم عبد الله بن عمر على تلك المجازر التي ارتكبوها ضد المختار والمسلمين أجابوه بقولهم: إنهم سَحَرة كفرة: وقد اجتهد الوضاعون في الكذب والتزوير فاتهموا المختار بالسحر والكفر وأنه كان يخاطب الملائكة وأنها كانت تحارب إلى جانبه في معاركه وأن جبرائيل كان ينزل عليه بصورة طير وإلى ما هنالك من الأكاذيب التي اختلقوها من أجل أن يبرروا ضعفهم أمام إرادة الموالين، ولو دققنا في هذه الأكاذيب لوجدنا بأنها تدينهم وهم لا يشعرون لأن قولهم بأن الملائكة كانت تحارب مع المختار فهذا يعني أنه كان على حق ولو لم يكن على حق لما قاتلت معه الملائكة.
ويُعتبر المختار الثقفي أحد أكبر الأبطال وأعظم الموالين لنهج الحق، والذي ندر وجوده في تلك الأيام التي كان الموالي فيها منبوذاً ومتهَماً ومبغوضاً لدى كثير من الفرقاء والأمم لأن الموالي على حق فهو يرعب أصحاب المطامع الخاصة وإن كان أعزلاً من السلاح حيث كان يرى الناس بأن هناك قوة غيبية تدعم الموالي للنبي وآله، فلقد كان المختار الثقفي بطلاً شجاعاً فشكّل عائقاً كبيراً في طريق كل طامع من الأمويين والمروانيين والزبيريين ولأجل ذلك كان مستهدَفاً من قبل الجميع لأنه شكل خطراً على الجميع في وقت واحد، فلقد كانت نيته أن يأخذ بثأر الحسين ويُرجع الخلافة إلى موقعها الصحيح، أما باقي الفرق فلقد كانوا طامعين بمنصب الخلافة كلٌ يطلبها لنفسه، والطامعون في ذلك الزمان لم يكتفوا بقتل المختار وإنما راحوا يعملون على قتل نهجه وتشويه صورته حتى يتبرأ الناس منه بعد موته، لأنهم إذا تابعوا السير على خطى المختار فهذا يعني أنه تولد عن المختار ألف مختار أو أكثر، فقتلُ المختار فقط لا يكفي لتحقيق أهدافهم لأن وجود نهجه بين الناس حكمه كحكم وجوده بينهم ولأجل ذلك راحوا يستهدفون نهجه وسيرته ويشوهون بسلوكه وصورته حتى يجذبوا الناس إليهم.
لقد اتهموه بالسحر والكفر ووضعوا الأحاديث الكاذبة في شأنه كما وضعوا الأحاديث الكاذبة لمصلحة الخط الأموي فقالوا بأن النبي قال: إن الله يدني معاوية منه يوم القيامة ويجلسه إلى جانبه لأنه حارب علي بن أبي طالب:
فإذا نسبوا هذا الكلام للنبي في ذم علي فليس من الغريب أن يذموا المختار وغيره من الموالين وينسبوا إليهم السحر والكفر والنفاق وغير ذلك من الصفات الذميمة لأنه حارب معاوية الذي سوف يدنيه الله منه يوم القيامة كما يقول الوضاعون الكذابون ولأنه حارب ابن الزبير الذي لا يفترق عن معاوية في شيء، ولأنه قتل من شارك في هدر دم الإمام الحسين في كربلاء.
المختار الثقفي قاتل الزبير الذي اضطهد العلويين خلال الفترة التي حكم بها العراق والحجاز وأعلن البراءة من علي وأبنائه وتَرَك الصلاة على النبي، فلقد كان المختار من أقطاب الشيعة في عصره ولم يكن عثمانياً كما ادعى بعض الباحثين فموقفه الصلب نوعاً ما من صلح الإمام الحسن مع معاوية لا يجعله أموياً أو من اعوانهم فإن كثيراً من الموالين تعاملوا مع فكرة الصلح بشكل قاس وسلبي لأنهم لم يكونوا يعرفون ما ينوي له الإمام(ع) وهذا حجر بن عدي وسليمان بن صرد الخزاعي زعيم ثورة التوابين غضبا من صلح الإمام الحسن مع معاوية وأطلقوا على الإمام إسم مذل المؤمنين ولم يكن ذلك منهم سوى نزوة لأنهم تسرعوا في الحكم على إمامهم الذي فُرضت عليهم طاعته وحرم عليهم الرد عليه، ولكن هذه القساوة التي ظهرت منهم لم تخرجهم عن كونهم موالين لأهل البيت(ع) ومما يؤكد لنا صلابة تشيّع المختار هو أن زياد بن أبيه حينما كتب إلى معاوية بشأن حجر بن عدي وأصحابه الموالين لعلي(ع) كان رفض المختار على التوقيع حاسماً بالرغم من تهديد زياد له ووعيده.
لقد اشتُهر المختار بالتشيع منذ نعومة أظفاره ولكنه انصرف عن السياسة والمعارضة السلبية لمعاوية لأن معاوية استعمل مع الشيعة سياسة البطش والقتل والتنكيل حيث وجد أن المعارضة في حكم معاوية لا تجدي نفعاً لأن الجميع كانوا يخافون من بطشه فهو لا يرحم أحداً ولا يرعوي عن ظلم أحد وقد كان يرتكب كل تلك الجرائم من خلف الستار حيث كان له دهاء ومكر لا مثيل له حيث كان يفعل فعل الكافرين الظالمين ويتمظهر بصورة الخليفة الزاهد.
وعندما أرسل الإمام الحسين(ع) مسلم بن عقيل إلى الكوفة نزل مسلم ضيفاً على المختار الثقفي الذي راح يدعو الناس إلى بيعة الحسين، ومن خلال اختيار مسلم لدار المختار يظهر لنا بأن الإمام الحسين(ع) هو الذي أمره بذلك لعلمه باستقامة المختار ونزاهة ولائه للنبي وآله، هذا مع العلم بأن في الكوفة من هو أمنع لمسلم وأضمن من المختار حيث كانت لهم عشائر قوية تمنعهم من أيدي الأمويين، ومع ذلك كان الهدف هو المختار، وإن استقبال المختار لمسلم في بيته واستقباله للوفود التي أتت لمبايعة الحسين لدليل على جرأته المميزة حيث كانت الكوفة آنذاك خاضعة للحكم الأموي، وأي تحرك ضد هذا الحكم يعتبر معارضة لهم، وقد كان عقاب المعارضين للأمويين شديداً وأليماً ورغم ذلك فقد تحداهم المختار واستقبل مسلم في داره ولم يأبه بما سيصنعه الأمويون به.
ونحن نرى بأن الدافع من نزول مسلم في دار المختار هو ولاؤه الخالص للعلويين وليس كونه صهر حاكم الكوفة كما ادعى بعض الباحثين الذين حاولوا الإنتقاص من شأن المختار بشتى الوسائل، وبقيت الوفود تتهافت إلى دار المختار للقاء رسول الحسين فخاف أنصار الأمويين من هذه الحالة وأرسلوا إلى يزيد يحرضونه على النعمان بن بشير واليه على الكوفة واتهموه بالخيانة لأنه تغاضى عما يجري في بيت صهره المختار، واتهموه بأنه يساعد الشيعة فعزله يزيد وعيّن مكانه عبيد الله بن زياد على كره منه ولكن مستشاريه هم الذين أصروا عليه أن يعين ابن مرجانة على الكوفة فعينه والياً عليها وأمره بأن يضرب بيد من حديد ولا يرحم أحداً من الموالين لعلي والحسين، فترك ابن زياد البصرة وأتى الكوفة متنكراً ليرى حالة الناس فيها فظن الناس بأنه الحسين وتعالت أصواتهم بالهتاف له والترحيب به وهم يقولون مرحباً بك يابن رسول الله قدمت خير مقدم على أهلك وأنصارك وشيعتك، فأخافه هذا المشهد واغتاظ منه وعندما وصل إلى قصر نزع اللثام عن وجهه فتفرق الناس من حوله وقد اجتمع عليه أنصار الأمويين فأخذ يتهدد ويتوعد كل من يناوئ السياسة الأموية وعندما وصل هذا الخبر إلى مسلم ترك دار المختار وتوجه إلى دار هاني بن عروة المرادي وكان من أشراف الكوفة وكان معروفاً بالتشيع والولاء للرسول وآله إلى أن حدثت تلك المأساة لمسلم، أما المختار الثقفي فلقد رأى بأن بقاءه في الكوفة أولى من الذهاب إلى كربلاء لأنه كان يعلم بالمصير المحتوم بل جلس يخطط لكيفية القضاء على النظام الأموي الحاقد وقد نجح فيما خطط له.
ويقول بعض المؤرخين بأن المختار جمع مجموعة من الموالين وخرج بهم نحو كربلاء لنصرة الحسين ولكن ابن زياد اعتقله وعذّبه وضربه ضرباً شديداً وسنجنه مدة طويلة لأنه كان يعرف وزن المختار في الكوفة وغيرها من الأمصار.
فأُدخل المختار السجن وكان فيه الصحابي الجليل للإمام علي ميثم التمار الذي سمع من أمير المؤمنين كثيراً من الغيبيات، وكان في السجن أيضاً عبد الله ابن الحارث وقد تهيأ المختار وابن الحارث للقاء الله لأنهما اعتقدا بأن ابن زياد سوف يقتلهما فقال ميثم لابن الحارث: إنك ستخرج من سجن هذا الطاغية وتحكم البصرة، وقال للمختار: إنك ستخرج وتتولى الثأر من قتلة الحسين وأنصاره وتطأ بقدميك على وجنتيه، بهذا أخبرني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) فارتاحا لكلامه المسند إلى أمير المؤمنين، ثم عملت أخت المختار على إخراجه من السجن فوافق يزيد على طلبها وأخرجه ليكون ما أخبر به علي(ع)
المختار وعبد الله بن الزبير
إذا كان المخلوق ينسى فإن الخالق لا ينسى، وإذا كان الناس يتعاملون بالجور فيما بينهم فإنه تعالى لا يعمل إلا بالعدل، فليس من العدل أن ينعم الظالم ويهنأ على حساب المظلوم، وإذا كان الظالم أقوى من المظلوم فإنه تعالى أقوى الأقوياء ومعز الضعفاء ومذل المتكبرين وقاصم الجبارين، ولقد عرفنا في البحث الماضي أن ابن زياد سجن المختار الثقفي عندما أراد الخروج إلى كربلاء لنصرة الإمام الحسين فاعتقله ابن زياد ومن كان معه وأمر بتعذيبهم وسجنهم، ولقد شاءت إرادة الله تعالى أن يخرج المختار من سجن ابن زياد في ظروف خاصة هيأتها القدرة وإلا فلقد كان القرار الحاسم هو قتل المختار لأنه يشكل خطراً كبيراً على الأمويين وأنصارهم ولقد كان كثير منهم يطلبون قتله فلقد أرادوا وأراد الله ولم يكن سوى ما أراد الله عز وجل، فلقد شاءت القدرة أن يخرج المختار من السجن ويترك الكوفة ويذهب إلى الحجاز فلقد خرج من الكوفة وهو يقول: والله لأقطعن أنامل ابن زياد ولأقتُلَن بالحسين بن علي عدد من قُتل بدم يحيى بن زكريا، وفي تلك الأثناء كان عبد الله بن الزبير قد تنفس الصعداء بقتل الإمام الحسين الذي كان يمثل حجر عثرة في طريقه وطرق كل الطامعين بالدنيا، فلقد تحقق حلم ابن الزبير باستشهاد الحسين وعادت إليه كل أمانيه، وقد حمل دم الإمام الحسين بنفس النية التي حمل فيها معاوية قميص عثمان طالباً بثأره، فمعاوية أول مستفيد من قتل عثمان وابن الزبير أول مستفيد من قتل الإمام الحسين، حيث استعمل مجزرة كربلاء سلاحاً ضد الأمويين وقد حدثت انتفاضة المدينة بفضل الإمام السجاد وعمته زينب وكان ابن الزبير مستفيداً من تلك الإنتفاضة التي عززت موقفه بين الموالين لأنه تظاهر بالموالاة وهو يضمر الشر للنهج العلوي، ولم يكن المختار الثقفي جاهلاً نوايا ابن الزبير وأطماعه التي يسعى إلى تحقيقها عبر المطالبة بثأر الحسين، ولم يعمل ابن الزبير على المطالبة بالثأر بل أراد أن تصل إليه الخلافة من دون أن يخسر شيئاً.
أما المختار فلقد كان عميقاً في تفكيره متأنياً في القرارات التي يتخذها لأنه كان يدرس الأمر من جميع جهاته كيلا يقع في أدنى خطأ عند التنفيذ لأن أقل خطأ في تصرفاته مع الجهاز الأموي يكلفه الكثير من الدماء البريئة، وقد فرضت عليه الظروف العامة أن يلتجأ إلى ابن الزبير بهدف إضعاف السلطة الأموية حيث لم يكن بقدرة المختار آنذاك أن يواجه الفئتين في وقت واحد لأن كلتا الفئتين قويتان فلا يستطيع أن يواجههما بالقلة التي كانت تسانده.
فلقد لازم المختار عبد الله بن الزبير وحثه على الخروج في طريق الثورة ضد الأمويين ولكن ابن الزبير بقي متريثاً ومتظاهراً بالزهد والتقوى والتباكي على الحسن ولعن قاتليه حتى يتهيّأ له الظرف تماماً لينقض في وقت واحد على الأمويين والعلويين ويحكم بعد ذلك كما يراه مناسباً لسلطانه ويضرب بيد من حديد غير أن وجود المختار عنده أثّر على مخططاته كثيراً.
وبقيت الأمور تتماشى لمصلحة ابن الزبير وبالخصوص بعد انتفاضة المدينة والإعتداء على أهلها ومقدساتها من قبل الدولة الأموية وعندما رأى بأن الجماهير كلهم يطلبونه للخلافة تصدى لها ووافق على أن يبايعوه وقد ركز على مبايعة المختار له أولاً وقبل الجميع حيث كان يخشاه أكثر من أي شخص آخر في الأمصار رغم قوته الباهرة وجماهيره الكثيرة، لقد كان ابن الزبير يطمح في استجلاب المختار نحوه ليقنع صهره عبد الله بن عمر بالمبايعة له حيث أن امتناع عبد الله بن عمر عن بيعة ابن الزبير يُحدث خللاً كبيراً في نشاطاته وتحركاته لأن أنصار عبد الله بن عمر يشكلون عدداً لا يستهان به في الوسط الإسلامي، فطلب المختار من شقيقته صفية أن تقنع زوجها عبد الله بن عمر بأن يبايع ابن الزبير فرفض ذلك بتاتاً أما المختار فلقد أعلن بيعته لابن الزبير لأنه أراد أن يجاريه حتى يقضي عليه وعلى الأمويين عندما تتاح له الفرصة المطلوبة، ولكنه وافق على البيعة بشروط رفضها ابن الزبير في بادئ الأمر ثم وافق عليها مكرهاً لأنه أراد أن يرضي المختار لمكانته بين الناس وبالخصوص بين العلويين، ومن أبرز وأهم تلك الشروط هو أن لا يتخذ ابن الزبير أي قرار إلا بعد موافقة المختار الذي أصبح وزيراً له في جميع الشؤون.
لقد شارك المختار عبد الله بن الزبير في معاركه ضد الحصين بن نمير وكأنه من أوفى الأوفياء له غير أن ابن الزبير لم يف بوعوده للمختار، وقد تبين لابن الزبير بأن الشيعة في الكوفة على استعداد لقتال من قتل الحسين وأصحابه توجه إلى الكوفة ولم يساعد التوابين في قتالهم للأمويين، وراح الشيعة في الكوفة يبحثون عن زعيم لهم فوجدوا طلبهم في المختار وساروا خلفه، وعندها جاهر المختار في الدعوة إلى العلويين وأخذ البيعة لهم، وعندما اشتد ساعد المختار في الكوفة عزل ابن الزبير عامليه القدامى عليها وعيّن مكانهم عبد الله بن مطيع الذي أفسد الأمر بسبب أحقاده وظلمه فنفر الناس منه وثاروا عليه وعلى ابن الزبير والتفوا حول المختار، فطرد منها عبد الله بن مطيع وخضعت العراق وسائر الأمصار للمختار ما عدا الحجاز والجزيرة وبلاد الشام، ودخل المختار قصر الإمارة وطلب البيعة من الناس على كتاب الله والطلب بثأر أهل البيت الذين كان يتودد لهم المختار، وقد أثارت سياسته الإقتصادية غضب الأشراف في الكوفة حيث سوّى بينهم وبين الفقراء فاعتبروا ذاك اغتصاباً لحقوقهم وكان قد أرسل جيشه بقيادة ابراهيم ابن الأشتر فأتوا إليه وطلبوا منه التراجع عن هذا القرار الذي يسويهم بغيرهم فوافق على طلبهم شرط أن يقاتلوا الأمويين والزبيريين ويناصروا أهل البيت فرفضوا اقتراحه فاستغلوا غياب الجيش فحاصروا المختار في قصر الإمارة واحتلوا المراكز الرئيسية في الكوفة، فأرسل المختار إلى قائد جيشه وكان لا يزال قريباً من الكوفة فرجع ابراهيم ابن الأشتر مع الجيش إلى الكوفة ودارت بينهم وبين أشرافها معركة انتهت لصالح المختار حيث قُتل منهم خمسمئة رجل وأسر منهم مائتان وفر الباقون من الكوفة، وقد تحدث المؤرخون عن أن شمر بن ذي الجوشن وعمر بن سعد ومحمد ابن الأشعث وقيس بن الأشعث عندما علموا بخروج جيش المختار إلى قتال أهل الشام رجعوا إلى الكوفة وأعانوا الأشراف على المختار بعد أن فروا منها عندما دعا المختار الشيعة إلى الإنتقام من قتلة الإمام الحسين(ع) ولعلهم بعد فشل معركتهم وانهزامهم أمام المختار فروا منها مجدداً.
المختار وقتلة الإمام الحسين
لقد هيأت القدرة الإلهية أدوات بشرية تحمل في قلوبها حب الله ورسوله وأهل البيت ليكونوا الوسيلة في عقاب الظالمين وأخذ الثأر منهم وتطهير الأرض من دنسهم فلم يترك الله جريمة كربلاء تذهب سدى من دون أن ينتقم من مفتعليها والمشاركين فيها، ولم يكن الإنتقام من قتلة الإمام الحسين أمراً سهلاً بل استغرق من الوقت الكثير كيلا يُظلم أحد ليس له دخل في ارتكاب تلك الجريمة، وقد قاد هذه الثورة رجل كريم محب لآل الرسول وباذل في سبيلهم كل غال ونفيس وهو المختار بن أبي عبيدة الثقفي الذي تم عقاب الظالمين على يديه، فالمختار لم يقاتل قتلة الحسين فقط وإنما قاتل الذين استغلوا دم الإمام لمصالحهم الخاصة كما صنع عبد الله بن الزبير الذي كان من ألد الأعداء للحسين ولمن سلك نهجه، والذي فعل مع الحسين ما فعله معاوية مع عثمان عندما تاجر بدمه واستعمله وسيلة لاغتصاب الخلافة.
لقد لقّن المختار قتلة الحسين درساً كبيراً حيث لاحقهم في كل مكان وانتقم منهم لأنهم مفسدون في الأرض ولأن الذي لا يتورع عن قتل إمامه الحق فإنه لن يتورع عن فعل أي شيء من قتل وسلب وانتهاك للحرمات وطعن في الكرامات فكان بطن الأرض خيراً لهم من ظاهرها ولأنهم لو بقوا على قيد الحياة لفعلوا بشيعة الحسين ما فعلوه بالحسين وأولاده وأصحابه يوم عاشوراء، وعندما علم المختار بأن المعركة التي جرت في الكوفة بينه وبين أشرافها كان وراءها الأمويون رأى بأن يُسرع في القضاء عليهم حيث أدرك حجم الخطر الذي بات يتهدد الأمة الإسلامية بسببهم فأعلن الحرب عليهم وخرج برفقة مجموعة من جيشه في جهة وإبراهيم بن الأشتر ومعه مجموعة أخرى من جهة ثانية ونادى مناديه في الكوفة: من أغلق بابه فهو آمن إلا من اشترك في قتل الحسين: وقد أذن لأفراد جيشه بأن يطلقوا العنان في الإنتقام لآل الرسول والأخذ بثأرهم فقال لهم: أطلبوا لي قتلة آل بيت الرسول فإنه لا يسوغ لي الطعام والشراب حتى أطهر الأرض والمصر منهم: وبعد ذلك تعالى الصياح من قبل أنصاره يا لثارات الحسين، وصاح أنصار الأمويين يا لثارات عثمان، فنلاحظ بأن الحقد في قلوب الأمويين كان مبيّتاً من عهد الإمام علي(ع) فنداؤهم بثارات عثمان أحدث انقساماً بينهم، وفي مقدمة من انسحب من المعركة رفاعة بن شداد الذي راح يقول: ما لنا ولعثمان والله لا أقاتل مع قوم يطالبون بدم عثمان: وسبب انسحابه هو علمه بالهدف الذي حملته المطالبة بدم عثمان وأن الذي ابتدع هذه البدعة هو معاوية بن أبي سفيان من أجل الحصول على الخلافة.
وقد استطاع المختار أن يأسر منهم في اليوم الأول خمسمائة رجل، وعندما عُرضوا عليه إختار منهم من اشترك في قتال الحسين وكان عددهم مئتين وثمانية وأربعين، فقتلهم وأطلق سراح الباقين الذين لم يكن لهم علاقة بقتال الإمام(ع) وذهب رجال المختار يميناً وشمالاً يبحثون عن بقية القتلة الذين اختبأوا فأخرجوهم من مخابئهم وقتلوهم، حتى أن بعض النسوة كُنّ يُخبرن عن أزواجهن، ومنهن زوجة خولى بن يزيد الأصبحي الذي كان أول من حمل الرأس إلى ابن زياد ليربح الجائزة، هذا على رواية من قال بأن ابن زياد طرده ولم يقتله، ثم قبض جيش المختار على عمر بن سعد وقتلوه وقطعوا رأسه وأتوا بالرأس إلى المختار فوضعه بين يديه وأمر بإحضار إبن عمر ابن سعد ولعله كان من المشاركين في قتل الإمام فوضع المختار رأس بن سعد بين يدي ولده حفص وقال أتعرف صاحب هذا الرأس فقال حفص نعم ولا خير في العيش بعده فقال له المختار ومن أنبأك أنك تعيش من بعده فأمر بقتله ووُضع الرأسان بين يدي المختار فراح يبكي ويقول هذا برأس الحسين وهذا برأس علي الأكبر واللهِ لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفَوا أنملة من أنامله، وجاء في الأخبار الطوال أن المختار أمر أبا عمرة بأن يجمع له ألف عامل ويتتبع دور من خرج لقتال الحسين وكان أبو عمرة عالماً بهم فلاحقهم في أحياء الكوفة وقتلهم، ومضى المختار يلاحق قتلة الحسين حتى لم يبق منهم أحد إلا قُتل أو فرّ من الكوفة، ثم استأجر المختار نساءاً من الكوفة يندبن الحسين ومن قُتل معه في كربلاء على باب عمر بن سعد ليحرك عواطف الشيعة ضد الأمويين، ثم بعث المختار في طلب حكيم السنبسي الذي سلب العباس بعد قتله فأتوا به وقتلوه قبل أن يصلوا إلى المختار كيلا يشفع له أحد، ثم أرسل المختار في طلب زيد بن ورقاء قاتل عبد الله بن مسلم فأتوا به وقتلوه، ثم لاحقوا شمر بن ذي الجوشن فحاول أن يقاومهم فأردوه قتيلاً، وكذلك قبضوا على ابن أنس الذي سلب برنس الحسين فأمر المختار بقطع يديه ورجليه وبقي كذلك حتى مات، وبقي في الميدان عبيد الله ابن زياد رأس الأفعى الذي اتجه نحو العراق لتحريرها من الزبيريين والشيعة عن طريق الموصل فعلم المختار بالأمر فجهز جيشاً كبيراً وقد أرجعهم ووأد الفتنة ثم رجع لملاحقة ابن زياد الذي احتل الموصل فخرج المختار إلى المدائن ليترقب أخبار المعركة وقد انضم إلى جيش المختار أحد قادة جيش ابن زياد حيث كان حاقداً على الأمويين وقد دارت بين الجيشين معركة طاحنة حتى امتلأت ساحة المعركة بالقتلى وقد استطاع جيش المختار أن يهزم جيش الشام الذي كان عدد أفراده عشرة أضعاف عدد جيش المختار الذين كانوا يستميتون في القتال، وقد استطاع جيش المختار في تلك المعركة أن يقتل رأس الأفعى عبيد الله بن زياد وكثيراً من قادة جيش الشام وهذا ما أحدث فيه التفكك والإضطراب، ثم طلب ابراهيم بن الأشتر جثة ابن زياد فقطع رأسه ثم أمر جنوده بملاحقة الأمويين في الموصل وضواحيها وذهب إلى المدينة ودخلها دخول الفاتح وأرسل إلى المختار يبشره بالإنتصار العظيم الذي تحقق على يديه بعون الله تعالى، وقد أرسل المختار رأس بن زياد ورأس عمر بن سعد إلى الإمام السجاد في المدينة فقال(ع) أبعدهما الله إلى النار وانتشر الخبر فيها بسرعة وعمت الفرحة جميع الأوساط، فلقد أدخل المختار السرور إلى قلوب أهل البيت وكل مؤمن في هذا الوجود وقد ترحم عليه الإمامان الباقر والصادق(ع) وقد نزّهه الإمام الصادق عن كل ما نُسب إليه من الأباطيل والأكاذيب.
شهادة المختار وموقفه من الزبيريين
لم يكن الأمويون هم العائق في طريق الحق فقط وإنما كان هناك قوة أخرى لا تختلف بقبحها عن قبح الأمويين وهي قوة عبد الله ابن الزبير وأنصاره فلقد كانوا موهومين تجاه هذا الرجل الذي أظهر لهم الزهد والتقوى وهو في الحقيقة شيطان بصورة إنسان صالح، ولقد كان هذا التمظهر أحد أكبر خططه للوصول إلى منصب الخلافة، وخطة المختار بن أبي عبيدة الثقفي لم تقف عن حدود الأمويين، فلقد هزم الأمويين وبقي في الميدان الزبيريون، وقد شاع خبر المختار في جميع الأمصار وعلا شأنه بينهم، فأصبح بذلك هدفاً للأمويين والزبيريين والجميع يريدون الإنتقام منه لتخلو الساحة أمام أطماعهم، وقد كان ابن الزبير يرى بأن المختار أخطر على مطامعهم من الأمويين حيث عمل المختار على إرجاع الخلافة إلى العلويين، فإذا التف جميع الشيعة حول المختار فهذا يعني نهاية ابن الزبير لأن أكثر اتباعه ومؤيديه هم من الشيعة ولأجل ذلك حاول ابن الزبير أن يشوه بصورة المختار عند الشيعة ليضمن موقعه.
والمعركة الشرسة التي دارت بين المختار والأمويين في الموصل قد أحدثت ضعفاً في صفوف الطرفين وكان المختار في تلك الفترة بأمس الحاجة إلى اكتساب الوقت حتى يستعيد قوته ويرتاح جيشه من تعب تلك المعركة مما اضطره إلى مهادنة الزبيريين الذين لم يكن أمرهم بالشيء اليسير، وكاتب المختار ابن الزبير يهادنه فأرسل ابن الزبير عمر بن عبد الرحمن ليتأكد من صدق نوايا المختار وأعطاه أربعين ألف درهم، ووصل إلى الكوفة ودخلها فاستقر رأي المختار أن يصرفه عن الكوفة بالحسنى وقد عرض عليه المختار سبعين ألف درهم على أن يترك الكوفة فتركها، ثم أرسل المختار إلى ابن الزبير كتاباً يخبره فيه بأنه مهد له الطريق في العراق واقترح عليه بأن يمده بمليون درهم ليستعين بها على الزحف نحو الشام ومقاتلة الأمويين، فرفض ابن الزبير طلب المختار وبقي المختار يترقب جميع تحركاته وصادف أن أرسل عبد الملك جيشاً إلى وادي القرى لمقاتلة الزبيريين فاستغل المختار هذه الفرصة وعاود المحاولة مع ابن الزبير فيما طلب منه قبل فترة مستغلاً بذلك حساسية الموقف فاضطر ابن الزبير للموافقة على طلب المختار خوفاً من عبد الملك، وفي نفس الوقت كان ابن الزبير خائفاً من المختار فاتخذ جميع الإحتياطات اللازمة فاستدعى قائده شرحبيل بن ورس الحمداني وأمده بثلاثة آلاف جندي وأمره بالزحف إلى المدينة لانتزاعها من ابن الزبير، وأعد ابن الزبير جيشاً من ألفي مقاتل بقيادة العباس بن سهل للدفاع عن المدينة وأن ينضم إلى جيش المختار إذا اطمأن من صدقه، ولما وصل جيش الزبير إلى جيش المختار أرادوا الإلتحاق بهم فرفض قائد جيش المختار ذلك حتى يكتب إليه، فمكث جيش المختار فترة في المدينة حتى نفد منهم الزاد فاضطروا إلى طلب المساعدة من الزبيريين فأمدوهم بالزاد، وقد غدر بهم قائد الزبيريين فهجم عليهم على حين غفلة وقتل منهم مجموعة كبيرة وبعد ذلك اضطهد ابن الزبير العلويين انتقاماً للمختار وحاصرهم في شُعب رضوى فاتجه لمختار لنجدتهم فخلصهم من الحصار وحاولوا الإقتصاص من الزبيريين فمنعهم محمد بن الحنفية خوفاً من إراقة الدماء، وتأزمت الأمور بين الفريقين وسارت من سيء إلى أسوأ فأرسل ابن الزبير أخاه مصعباً إلى البصرة فاتجه إليها وعندما وصل هاجم المختار هجوماً عنيفاً ولقبه بألقاب لا تليق بشأنه والتفت إلى أهل البصرة وقال لهم: بلغني أنكم تلقبون أمراءكم وقبل أن تلقبوني فإني قد لقبت نفسي بالجزار، ثم رجع الهابون مستغلين قسوة مصعب والتفوا حوله يستغيثون به ويطلبون منه الخروج لقتال المختار، فجمع جيشاً كبيراً من الخوارج والخبثاء والذين فروا من المختار وأرسلهم إلى الكوفة والتقى الجيشان على مشارف الكوفة، وهجم الزبيريون على جيش المختار وكادوا أن يلحقوا بهم الهزيمة فاستعاد الشيعة نشاطهم وقاوموهم وعاد الأمر لصالح المختار، ثم استعاد جيش الزبير نشاطهم وعادوا القتال بشكل عنيف وناصرهم أعوانهم من سكان الكوفة حتى جبلت الأرض بالدماء لكثرة ما سقط من الفريقين حتى ازدادت حالة المختار سوءاً وقد استمرت حرب الشوارع في الكوفة مدة أربعة أشهر وكان ذلك سنة سبعة وستين للهجرة وكان كلما خرج المختار من قصره مع جماعة من أعوانه كان يستطدم بجيش الزبير ويرجع إلى القصر حتى ضاق به الخناق بسبب تخاذل كثير من أهل الدنيا الذين اختاروا الذل على العزة، فقال المختار لأصحابه إن الحصار لا يزيدكم إلا ضعفاً فانزلوا بنا حتى نموت كراماً فامتنعوا عن الخروج معه فخرج برفقة سبعة عشر رجلاً ومضي يضرب بسيفه حتى قُتل وكان مصرعه في الرابع عشر من شهر رمضان سنة سبعة وستين للهجرة.
ثم بعد استشهاد المختار انقض ابن الزبير على العلويين وقتل منهم عدداً هائلاً وجمع النساء وهددهن وطلب منهن البراءة من المختار، فتبرأت منه واحدة، وبقيت اثنتين صامدتين فقالتا كيف نتبرأ من رجل يقول ربي الله كان صائماً نهاره وقائماً ليله قد بذل دمه لله ولرسوله في طلب قتلة ابن بنت رسول الله وأصرتا على موقفهما فسجنهما.
فكتب مصعب إلى أخيه في شأن هاتين المرأتين فقال له إن رجعتا عما هما عليه فخل سبيلهما وإلا فاقتلهما فتراجعت واحدة منهما وبقيت الأخرى على موقفها وقالت: شهادة أُرزَقُها في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها إنها موتة ومن ورائها الجنة واللهِ لا أفضّل على ولايتي لعلي بن أبي طالب شيئاً اللهم اشهد أني متبعة لنبيك وابن بنته وأهل بيته وشيعته ثم ترحمت على زوجها ولم تتبرأ منه فقتلها مصعب بن الزبير.
الشيخ علي فقيه


